علي بن يوسف القفطي

32

إنباه الرواة على أنباه النحاة

به الناس ، وارتزق منه في أكثر أوقاته ، وانتقل إلى حلب فأقام بمدرسة الحلاويين يرتزق على فقه أبي حنيفة ، ثم قرّر له على إقراء العربية رزق في جامعها ، فأقرأ جماعة ما فيهم من جاد ولا ساد ، وكان نحوه عجيبا في براءته ، يسقط منه ما يحترز منه الأطفال المبتدئون . فمن ذلك أنه قعد مرة في مجلس السلطان الملك الظاهر أبى الفتح غازي بن يوسف بن أيوب ( 1 ) - سقى اللَّه عهده - لينشده قصيدة عيديّة - وكان شهر رمضان ، وتذاكر حاضرو المجلس لفظة العيد ، وما أصلها ، فقال هو : أصلها « عود » ، من عاد يعود ، تحرك حرف العلة وانكسر ما قبله ، فانقلبت ياء . فقال له أحد نحاة حلب : لو كان أصلها « عود » لصحّت ولم تعلّ قياسا على « عوج » ، وإنما أصلها « عود » سكن حرف العلَّة وانكسر ما قبله ، فقلبت ياء . فأخذ في المكابرة والمغالبة ، وانفصل المجلس على أنه لم يقع فيه من يحقّق قول أحدهما من الآخر . ونزل إلى الجامع في بكرة تلك الليلة ، وتعاودوا المسألة ، وشرقت القضية بينهما إلى أن تدافعا في وسط الجامع ، وفرق بينهما العوامّ . وكان كثير الإعجاب بنفسه ، يرى أنه لم يعرف حقّه ، فلا يزال شاكيا متأوّها متعقّبا على القضاء والقدر . وكان مع هذا مذموم الطريقة في الاستهتار ( 2 ) بشرب الخمر ، واتخاذ علوج ليسوا بحسان الخلق ، ينحشى في محاش رديئة من محالّ الفسوق ، ويخالط جماعة على ذلك . نعوذ باللَّه من النظر إليهم .

--> ( 1 ) تقدمت ترجمته في حواشي الجزء الأوّل ص 267 . ( 2 ) المستهتر بالشئ : المولع به ؛ لا يبالي بما قيل فيه وشتم له .